محمد علي التهانوي

1200

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم

حقيقة العالم وصورته تارة من الحواس وتارة من المبدأ ، فمهما ارتفع حجاب التعلّقات بينها وبين المبدأ حصل لها العلم من المبدأ فاستغنت عن الاقتباس من مداخل الحواس ، وهناك لا مدخل للوهم التابع للحواس . ومهما أقبلت على الخيالات الحاصلة من المحسوسات كان ذلك حجابا لها من مطالع المبدأ ، فهناك تتصوّر الواهمة وتعرض للنفس من الغلط ما يعرض ، فإذا للنفس بابان ، باب مفتوح إلى عالم الملكوت وهو اللوح المحفوظ وعالم الملائكة والمجرّدات ، وباب مفتوح إلى الحواس الخمس المتمسّكة بعالم الشهادة والملك وهذا الباب مفتوح للمجرّد وغيره . والباب الأول لا يفتح إلّا للمتجرّدين من العلائق والعوائق . ورابعتها ما يتجلّى له عقيب اكتساب ملكة الاتصال والانفصال عن نفسه بالكلّية وهو ملاحظة جمال اللّه أي صفاته الثبوتية وجلاله أي صفاته السلبية ، وقصر النظر على كماله في ذاته وصفاته وأفعاله حتى يرى كلّ قدرة مضمحلّة في جنب قدرته الكاملة وكلّ علم مستغرقا في علمه الشامل ، بل يرى أنّ كلّ كمال ووجود إنّما هو فائض من جنابه تعالى شأنه . فان قيل بعد الاتصال بعالم الغيب ينبغي أن يحصل له الملاحظة المذكورة وحينئذ لا تكون مرتبة أخرى غير الثالثة بل هي مندرجة فيها . قلت المراد الملاحظة على وجه الاستغراق وقصر النظر على كماله بحيث لا يلتفت إلى غيره ، فعلى هذا الغاية القصوى هي هذه المرتبة كما أنّ الغاية القصوى من مراتب النظري هو الثالثة أي العقل بالفعل . اعلم أنّ المرتبتين الأخيرتين أثران للأوليين اللتين هما من مراتب العملية قطعا ، فصحّ عدّهما من مراتب العملية وإن لم تكونا من قبيل تأثير النفس فيما تحتها . هذا كله هو المستفاد من شرح التجريد وشرح المواقف في مبحث العلم وشرح المطالع وحواشيه في الخطبة . اعلم أنّ العقل الذي هو مناط التكاليف الشرعية اختلف أهل الشرع في تفسيره . فقال الأشعري هو العلم ببعض الضروريات الذي سمّيناه بالعقل بالملكة . وما قال القاضي هو العلم بوجوب الواجبات العقلية واستحالة المستحيلات وجواز الجائزات ومجاري العادات أي الضروريات التي يحكم بها بجريان العادة من أنّ الجبل لا ينقلب ذهبا ، فلا يبعد أن يكون تفسيرا لما قال الأشعري ، واحتجّ عليه بأنّ العقل ليس غير العلم وإلّا جاز تصوّر انفكاكهما وهو محال ، إذ يمتنع أن يقال عاقل لا علم له أصلا وعالم لا عقل له أصلا ، وليس العقل العلم بالنظريات لأنّه مشروط بالنظر والنظر مشروط بكمال العقل ، فيكون العلم بالنظريات متأخرا عن العقل بمرتبتين ، فلا يكون نفسه ، فيكون العقل هو العلم بالضروريات وليس علما بكلها ، فإنّ العاقل قد يفقد بعضها لفقد شرطه كما مرّ ، فهو العلم ببعضها وهو المطلوب . وجوابه أنّا لا نسلّم أنّه لو كان غير العقل جاز الانفكاك بينهما لجواز تلازمهما . وقال الإمام الرازي والظاهر أنّ العقل صفة غريزية يلزمها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات وهي الحواس الظاهرة والباطنة . وإنّما اعتبر قيد سلامة الآلات لأنّ النائم لم يزل عقله عنه وإن لم يكن عالما حالة النوم لاختلال وقع في الآلات ، وكذا الحال في اليقظان الذي لا يستحضر شيئا من العلوم الضرورية لدهش ورد عليه ، فظهر أنّ العقل ليس العلم بالضروريات . ولا شكّ أنّ العاقل إذا كان سالما عن الآفات المتعلّقة كان مدركا لبعض الضروريات قطعا . فالعقل صفة غريزية يتبعها تلك العلوم ، وهذا معنى ما قيل : قوة للنفس بها تتمكّن من إدراك الحقائق . ومحلّ تلك القوة قيل الرأس ، وقيل القلب ، وما قيل هو الأثر الفائض على النفس